أحمد بن علي القلقشندي

317

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ففاض على المعتدين جدول سيفه وجرت بالدّم قناته ، وقام على قدم الاجتهاد ، وقسم بين جفنه وجفن سيفه السّهاد . ولما كان المجلس هو المقصود بهذه الكناية ، والمشهود له في طلق هذه الغاية ، والعالي بهممه على ذوي الارتقاء ، والوالي الَّذي إذا ركب الولاة لاشتهار ذكر كان من بينهم فارس البلقاء ، والنّاهض بتثمير الأموال غمام رأيه الصّيّب ، والطَّيّب بسياسته محلّ الولاية : « وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب » - تعين أن نتزيّد منصبه إذا تزيّدت المناصب ، وأن تستمرّ مرتبته إذا مرّت لذهابها المراتب ، وأن يشتمل في استمرارها عليه ، وأن يكون في إعراب الدّولة القاهرة مضافا ومضافا إليه . فلذلك رسم بالأمر الشريف - أعلى اللَّه تعالى أبدا عماده ، وجعل لولاة أيّامه الحسنى وزيادة - أن يستمرّ على ولاية البلقاء على عادته ، وأن تضاف إليه ولاية الصّلت : جمعا له بين الأختين حلالا ، والذّروتين منالا ، والرّايتين نهوضا بهما واستقلالا ، وعلما بوفاء عزمه الَّذي أمر أمره ، ورفعا لقدره الَّذي حسن أن يقول لمنصب البلقاء : « لنا الأبلق الفرد الَّذي سار ذكره » ، وتيمّنا بغرّة الصّلت فإنّ الصّلت هو الجبين الواضح بشره ؛ وكيف لا ؟ وهو الكافي الَّذي جمع مال الجهات فاوعى ، وقسم فنون المصالح جنسا ونوعا ، وحسم أدواءها بحسام رفقه كرها وطوعا . فليباشر بالعزّ واليمن جهتيه ، وليأخذهما بكلتا يديه ، وليفض وجه عزمه في أرض الدّولة حتّى يكون شبه البلقاء اللازم لإحدى ولايتيه ، محصّنا بسماكي سيفه وقلمه فنعم البلدتان ، مثمّرا بسداد قوله وفعله ومن دونهما جنّتان ، موفيا للحقوق ، معفيا لاعتراف النّعمة من العقوق ، راقيا بهمته - إن شاء اللَّه تعالى - إلى رتب لو رامها نجم الأفق لعاقه العيّوق ( 1 ) ، عاملا بتقوى اللَّه عزّ وجلّ فإنّ

--> ( 1 ) العيّوق : نجم أحمر مضيء في طرف المجرّة الأيمن ، يتلو الثريا لا يتقدّمها ، ويطلع قبل الجوزاء .